العلامة المجلسي

193

بحار الأنوار

لشرافة الروح وخباثته ، فبهذا الاعتبار نية المؤمن خير من عمله ، ونية الكافر شر من عمله . الثاني عشر أن نية المؤمن وقصده أولا هو الله ، وثانيا العمل ، لأنه يوصل إليه ، ونية الكافر وقصده غيره تعالى ، وعمله يوصله إليه ، وبهذا الاعتبار صح ما ذكر . وهذا الوجه وما تقدمه مستفادان من كلام المحقق الطوسي قدس سره والوجوه المذكورة ربما يرجع بعضها إلى بعض ، وبعد ما أحطت خبرا بما ذكرناه نذكر ما هو أقوى عندنا بعد الاعراض عن الفضول ، وهو الحق الحقيق بالقبول . فاعلم أن الاشكالات الناشئة من هذا الخبر إنما هو لعدم تحقيق معنى النية وتوهم أنها تصور الغرض والغاية ، وإخطارها بالبال ، وإذا حققتها كما أومأنا إليه سابقا ، عرفت أن تصحيح النية من أشق الأعمال وأحمزها ، وأنها تابعة للحالة التي النفس متصفة بها ، وكمال الأعمال وقبولها وفضلها منطو بها ، ولا يتيسر تصحيحها إلا باخراج حب الدنيا ، وفخرها وعزها من القلب ، برياضات شاقة ، وتفكرات صحيحة ، ومجاهدات كثيرة ، فان القلب سلطان البدن ، وكلما استولى عليه يتبعه سائر الجوارح ، بل هو الحصن الذي كل حب استولى عليه وتصرف فيه ، يستخدم سائر الجوارح والقوى ، ويحكم عليها ، ولا تستقر فيه محبتان غالبتان ، كما قال الله عز وجل : يا عيسى لا يصلح لسانان في فم واحد ولا قلبان في صدر واحد ، وكذلك الأذهان ( 1 ) وقال سبحانه : " ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه " ( 2 ) . فالدنيا والآخرة ضرتان لا يجتمع حبهما في قلب ، فمن استولى على قلبه حب المال لا يذهب فكره وخياله وقواه وجوارحه إلا إليه ، ولا يعمل عملا إلا ومقصوده الحقيقي فيه تحصيله ، وإن ادعى غيره ، كان كاذبا ، ولذا يطلب

--> ( 1 ) راجع الكافي ج 2 ص 343 ، ثواب الأعمال ص 240 . ( 2 ) الأحزاب : 4 .